الشيخ محمد رشيد رضا
45
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وعاملين بالكتاب كله غير جاعليه عضين . ومن استعرض عقله عند تحقيق كل عقيدة أو مسألة مجموع ما ورد فيها يتجلى له الحق وانه لا مجال للاختلاف في كتاب اللّه سبحانه ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) ففي الكتاب أن اللّه تعالى خلق كل شيء بقدر لا انفا جديدا غير مرتبط بنظام سابق ، وفيه أن كل شيء بإرادته ومشيئته ، وان مشيئته مؤنة بحكمته التي اقتضت النظام والتقدير ، وتنزه بها عن الانف والجزاف والتفاوت والخلل ، وفيه أن إيمان العبد المكلف يقع بفعله واختياره وأن اللّه تعالى هو الذي خلقه فاعلا بالإرادة والاختيار ، وبهذا لا يكون فعله وكسبه منافيا لخلق اللّه ومشيئته ولا جاعلا له مستقلا دونه تعالى مستغنيا عن توفيقه وامداده في كل حين حتى يقال إنه جعل خالقا لعمله ، فالفرق بين الفعلين عظيم ، وبهذا الجمع بين نصوص الوحي ، تظهر حجة اللّه البالغة على الخلق . والتوفيق عناية خاصة من اللّه تعالى يتفضل بها على بعض عباده وهو أعلم حيث يضع توفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته . فيجمع لمن تفضل عليه به بين ما جعله في مقدوره وتناول كسبه ، وبين ما ليس كذلك مما فيه الخير والمصلحة له ، فيتفق له الأمران ، والخذلان ضده أو عدمه فهو أمر سلبي ولا يظلم اللّه العبد المخذول شيئا ، وقد يفسر الشيء تفسيرا سلبيا تكون حقيقته ايجابية ، وتفسيرا ايجابيا تكون حقيقته سلبية . قال المحقق ابن القيم في بيان مشهد التوفيق والخذلان من كتابه ( مدارج السالكين ) : وقد اجمع العارفون باللّه أن التوفيق هو أن لا يكلك اللّه إلى نفسك ، والخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك اه وهذا تعريف بالرسم واضح المعنى فيما قلناه ، فمعنى أن لا يكلك إلى نفسك هو أن يمنحك فوق كل ما في قدرتك وما تتوجه اليه ارادتك مما تعلم من الخير لنفسك - ما يتوقف عليه النجاح وإصابة الخير مما ليس في مقدورك ولا يصل اليه اجتهادك وحدك ، وبعض ذلك نفسي وبعضه خارجي ، فمعنى التوفيق إيجابي . وقولهم في تفسير الخذلان « أن يكلك إلى نفسك » معناه أن لا يمنحك شيئا من العناية الخاصة فيما يصل اليه كسبك ولا تسخير ما لا يصل اليه ، فلا تنال من الخير إلا بقدر قدرتك على ما تعلم وتريد من أسبابه . وقدرتك لا تصل إلى كل ما تعلم أن فيه الخير لك ، وعلمك غير محيط بما فيه ذلك الخير